أنطون تشيخوف
كتبهاعبد الله أحمد عبدالله ، في 15 أكتوبر 2009 الساعة: 17:45 م
مزحة !
ترجمة : أحمد حسن المعيني

كان يوماً شتوياً مشرقاً , و كانَ صقيعٌ حادّ , و كانت قطعٌ فضية منه تغطي الخصلات المُتحدّرة على جبين "نادينكا" , و أسفل شفتها العُليا . كانت تتمسكْ بذراعي و نحن واقفان فوق تلّةٍ عالية . و من مكاننا حتى قاع الأرض , إمتدّ سهلٌ إنعكست عليه الشمس بوضوحٍ كأنه مرآة صافية. و إلى جانبنا كانت مزلجةٌ عليها قماشٌ أحمر اللون فاتحة .
رجوتها قائلاً : " هيّا بنا لنتزحلق للأسفل يا نادينكا.مرةً واحدة فقط. أؤكد لكِ أنه لن يحدث أي مكروه " .
و لكن (نادينكا) كانت خائفة. فالمنحدر الذي يبدأ من تحت حذائها الطويل إلى أسفل التلة الثلجية بدا مريعاً لها كأنه هاوية سحيقة. خانتها شجاعتها و حبست أنفاسها و هي تنظر إلى أسفل , بعد أن أكتفيتُ بأن اقترحتُ عليها إمتطاء المزلجة, ولكن ماذا لو كانت هناك مخاطرة بالسقوط إلى الهاوية ؟ كانت ستموت, كانت ستفقد صوابها .
قلتُ لها : "من أجلي أنا, لا تخافي. لا يجدر بك الخوف, فهو مرضٌ للنفس و جبنٌ عظيم" .
أستسلمت (نادينكا) أخيراً , و من ملامح وجهها أدركتُ أنها استسلمت و هي تختنق فزعاً. أجلستها على المزلجة, و هي شاحبة مرتعدة الأوصال, ثم طوّقتها بذراعي, و دفعتها و أنا معها إلى أسفل الهوة السحيقة.
أنطلقت المزلجة كالرصاصة, و الهواء المندفع بفعل تحليقنا ضرب في وجوهنا بكل قوته و هديره, ثم أطلق صفيره الحاد في آذاننا , و تمزّق على أجسادنا , ثم اشتدت قرصاته في وهج غضبه و حاول أن يقتلع رأسينا من على أكتافنا. كنا بالكاد نتنفس تحت ضغط الريح. بدا الأمر و كأن الشيطان نفسه أمسك بنا بمخلبيه و أخذ يسحبنا إلى الجحيم تتبعه زمجرته. كل ما كان يحيط بنا..ذاب في خيطٍ رفيع طويل , طويلٍ يتسارع بشدة. لحظة أخرى و بدا أننا هالكان.
قلتُ بصوتٍ خفيض : " أحبك يا ناديا".
بدأت المزلجة تتباطأ في حركتها أكثر فأكثر, و خَفتَ هدير الريح و طنين الهواء, و غدا التنفس أسهل, و أخيراً وصلنا إلى الأسفل. كانت (نادينكا) أقرب للموت منها للحياة. كانت شاحبة لا تكاد تتنفس, فساعدتها على النهوض.
قالت و هي تنظر إليّ بعينين ملؤهما الرعب " "لا شيء سيجعلني أكرر ذلك. لا شيء في هذا العالم كله. كدتُ أموت" .
بعد دقائق أستعادت اتزانها و نظرت إليّ بتساؤل, هل نطقتُ فعلاً بتلك الكلمات الثلاث, أو أنها تخيلتْ ذلك في غمرة الإعصار ؟ جلستُ بجانبها أدخّن و أنظر بإمعان في قفازي.
تأبطتْ ذراعي و قضينا وقتاً طويلاً نمشي قرب التلّة الثلجية. من الواضح أن اللغز أرهقها. هل سَمِععَتْ تلك الكلمات أم لا ؟ نعم أم لا ؟ نعم أم لا ؟ كانت مسألة كبرياء أو شرف, مسألة حياة .. كانت مسألة في غاية الأهمية, بل أهم مسألة في العالم. ظلّت (نادينكا) تنظر في وجهي بنفاد صبر و حزن نظرة حادة. كانت تجيب بعشوائية, تنتظر ما إذا كنت سأتكلم أم لا. ياه, يا لهذا اللعب بالمشاعر على هذا الوجه الجميل !. لاحظتُ أنها كانت تصارع نفسها, و أنها كانت تريد قول شيء, تريد أن تسأل سؤالاً, و لكنها لم تجد الكلام. شَعَرَتْ بأنّ الفرحة تسقيها حيرةً و خوفاً و ارتباكاً.
قالت من دون أن تنظر إليّ :"لدي فكرة".
فسألتها :"ماهي ؟"
ـ هيا بنا.. نتزحلق للأسفل مرة أخرى .
عانينا في تسلق التلة الثلجية من الدرجات مرة أخرى. أجلستُ (نادينكا), و هي شاحبة مرتعدة الأوصال على المزلجة. مرةً أخرى طرنا نحو الهاوية الرهيبة, و مرة أخرة قابلنا هدير الريح و طنين الهواء, و مرة أخرى عندما انحدارنا في أصخب لحظاته و أسرعها, قلت بصوت خفيض : " أحبكِ يا ناديا".
عندما توقفت المزلجة رشقت (نادينكا ببصرها التلّة التي انزلقنا عليها, ثم تفرستني بنظرة طويلة, و أرهفت السمع لصوتي الذي لم يكن فيه مثقال ذرة من اهتمام أو مشاعر. و كلّ جسمها, كل جزء منه, حتى الفراء و القبعة عليها أصدر أقصى علامات التعجب, و على وجهها أسئلة محيرة :" ما معنى هذا ؟ من نطق بتلك الكلمات؟ هل قالها, أو أنني تخيلتها فقط؟ "
أقلقها الشكُ و أفقدها صبرها. لم تجب الفتاة المسكينة على أسألتي, و عبست, و بلغت أدمعها طرف جفنيها.
سألتها :" ألم يكن الأفضل لو ذهبنا إلى البيت ؟ ".
قالت هائجة : " أنا .. أنا أحب هذا التزحلق. هلا تزحلقنا مرة أخرى ؟.
لقد "أحبت" التزحلق, و لكنها عندما ركبت على المزلجة, كما في المرتين السابقتين, كانت شاحبة مرتعدة الاوصال بالكاد تتنفس من فرط الفزع.
تزحلقنا للمرة الثالثة, ولاحظتُ أنها تحدق في وجهي و تراقب شفتيّ. ولكنني وضعتُ منديلي على شفتي, و سعلتُ, و عندما وصلنا إلى منتصف التلّة استطعتُ أن أتمتم ب"أحبكِ يا ناديا".
و بقي اللغز لغزاً. كانت (نادينكا) صامتة, تفكر في شيء ما. رافقتها إلى البيت, حاولت أن تمشي ببطء, تخفف سرعتها.. تنتظر ما إذا كنتُ سأقول لها الكلمات أم لا, و لاحظتُ كيف أن روحها كانت تعاني, و كيف كانت تجتهد كي لا تقول لنفسها : " لا يمكن أن تكون الريح قد قالتها. و لا أريد أن تكون الريح هي التي قالتها" .
في الصباح التالي تركتْ لي رسالة جاء فيها : " إن كنت ذاهباً للتزحلق اليوم خذني معك.ن".
ومنذئذٍ بدأتُ أذهب كل يومٍ للتزحلق مع (نادينكا) , و بينما نحن نطير بالمزلجة, كنتُ أقول في كل مرّة بصوتٍ خفيض نفس الكلمات :" أحبكِ يا ناديا".
و سرعان ما أعتادت (ناديكا) على تلك العبارة و أدمنتها كالكحول أو المخدر الذي لا فرار منه. لم تستطع العبش من دونها. نعم كان التزحلق فوق التلة الثلجية يرعبها كما كان في السابق, و لكن الخوف و الخطر أضفيا سحراً غريباً على كلمات الحب. تلك الكلمات كما كانت دوماً, لغزاً يحير النفس و يعذبها تشويقاً. و بقي المشتبهان كما هما, أنا و الريح. لم تعرف أياً منّا كان يمارس الحب معها, ولكنها بالتأكيد بدأت تفقد الاهتمام بذلك. ما دام الشراب مُسكراً كلُ الكؤوس سواءُ .
و حدث يوماً أن ذهبتُ إلى ساحة التزلج وحيداً, و بينما أنا بين الجموع , رأيتُ (نادينكا) تصعد التلة الثلجية و تبحث عني, ثم نزلتْ من على الدرجات في حياء. كانت تخاف أن تذهب بمفردها. يااه كم كانت تخاف ! كانت بيضاء كالثلج, ترتعد, و كأنها تسوق نفسها إلى مقصلتها. ولكنها ذهبت, ذهبت دون أن تنظر وراءها, بإصرار. من المؤكد أنها قررت وضع الأمر في محك الاختبار أخيراً . هل كانت تلك الكلمات الجميلة ستُسمع من دون وجودي ؟ رأيتها شاحبة, انفرجت شفتاها بفزع و ركبت على المزلجة, فأغمضتْ عينيها لتقول للأرض وداعاً إلى الابد. تزحلقت.. لا أعرف ما إذا كانت (نادينكا) سمعتْ تلك الكلمات أم لا. رأيتها فقط تنهض من على المزلجة باهتة المنظر.. شديدة الإعياء. و كان من السهل الجزم بالنظر إلى وجهها أنها لم تكن متأكدة ما إذا سمِعتْ شيئاً أم لا. لقد حرمها فزعُها و هي تطير إلى الأسفل حاسة السمع, و تمييز الأصوات, و الفهم .
و جاء شهر مارس, و أتى الربيع بأبهى حلله. أظلمت تلتنا الثلجية و فقدت بهاءها, و ذابت. و هكذا توقفنا عن التزحلق. لم يكن هناك مكانٌ آخر تستطيع في المسكينة (نادينكا) سماع تلك الكلمات, و بالتأكيد, و بالتأكيد لا شخص آخر يقولها, حيث لم تكن هناك ريح, و كنتُ أنا ذاهباً إلى(بيترزبيرغ) لمدّة طويلة, و ربما للأبد.
و حدث قبل يومين من رحيلي أن كنتُ جالساً عند الغروب في الحديقة الصغيرة التي يفصلها عن فناء منزل (نادينكا) سورٌ عالٍ عليه مسامير. كان الجو مايزال بارداً, و بعض الثلج ركامٌ هناك قرب كومة السماد, و بدت الأشجار ميتة, و لكن عبق الربيع كان منتشراً , و الغربان تنعق و هي تأوي إلى منامتها. صعدتُ على السور و وقفتُ هناك طويلاً و أنا أختلس النظر من خلال شق. رأيت (نادينكا) تخرج إلى الفناء و تحدق في السماء بعينين ملؤهما اللهفة و الحسرة. كانت رياح الربيع تهبّ علينا على التلة الثلجية عندما سَمِعَتْ تلك الكلمات الثلاث, و غدا وجهها حزيناً جداً جداً, و أنزلقت دمعة على وجنتها, و رفعت الطفلة المسكية ذراعيها و كأنها تتوسل إلى الرياح أن تجلب لها تلك الكلمات مرة أخرى. و في إنتظار الرياح قلتُ بصوتٍ خفيض : " أحبكِ يا ناديا".
و حلّت الرحمة. يا لذاك التغير الذي أحدثه ل(نادينكا)!. اغرورقت عيناها بعبراتها, ثم ملأت وجهها ابتسامة عريضة, فبدت مرحة و سعيدة و جميلة, و رفعت ذراعيها لتستقبل الرياح.
و عدتُ أدراجي لأحزم أمتعتي.
كان هذا منذ زمنٍ بعيد. (نادينكا) الأن متزوجة. لقدتزوجت-و لا يهم ما إذا كان ذلك بإختيارها أم لا-ولديها الأن ثلاثة أطفال. و لم تنسَ أننا ذهبنا ذات مرة للتزحلق, و أن الرياح حملت لها الكلمات"أحبكٍ يا نادينكا". بالنسبة لها, كانت هذه أكثر اللحظات المؤثرة و الجميلة في حياتها.
و لكن الآن و أنا أكبر سناً, أعجرُ عن فهم لماذا نطقتُ بتلك الكلمات, و ماذا كان هدفي من تلك المزحة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : بُحيرة - بُحيرات الظِلَ | السمات:من خارجْ بُحيراتي
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أكتوبر 16th, 2009 at 16 أكتوبر 2009 10:46 م
عبود
صباح الخير
قرأت ولكن مش رايقه اعلق …
ساكون هنا غدا باذن الله
كل الود
أكتوبر 17th, 2009 at 17 أكتوبر 2009 10:32 م
عبدالله
صباح الفل…
يا لهذا المحب المكابر , الذي لم يسمح لقلبه ان يتمتع
بلذة هذا الحب…
ولم يعطي لتلك الانثى التي ادخلها بحيره قاتله وهي تبحث
عن صدى ما تخيلت انها سمعته؟
حب لم يشأ له القدر ان يرى النور…
لقد قرأت هذه القصه وشعرت انني اعرف شخوصها جيدا؟
كل الود
أكتوبر 17th, 2009 at 17 أكتوبر 2009 10:39 م
عبدالله
حدث يوماً أن ذهبتُ إلى ساحة التزلج وحيداً, و بينما أنا بين الجموع , رأيتُ (نادينكا) تصعد التلة الثلجية و تبحث عني, ثم نزلتْ من على الدرجات في حياء. كانت تخاف أن تذهب بمفردها. يااه كم كانت تخاف ! كانت بيضاء كالثلج, ترتعد, و كأنها تسوق نفسها إلى مقصلتها. ولكنها ذهبت, ذهبت دون أن تنظر وراءها, بإصرار. من المؤكد أنها قررت وضع الأمر في محك الاختبار أخيراً . هل كانت تلك الكلمات الجميلة ستُسمع من دون وجودي ؟ رأيتها شاحبة, انفرجت شفتاها بفزع و ركبت على المزلجة, فأغمضتْ عينيها لتقول للأرض وداعاً إلى الابد. تزحلقت.. لا أعرف ما إذا كانت (نادينكا) سمعتْ تلك الكلمات أم لا. رأيتها فقط تنهض من على المزلجة باهتة المنظر.. شديدة الإعياء. و كان من السهل الجزم بالنظر إلى وجهها أنها لم تكن متأكدة ما إذا سمِعتْ شيئاً أم لا. لقد حرمها فزعُها و هي تطير إلى الأسفل حاسة السمع, و تمييز الأصوات, و الفهم .
***********************
الم يشعر بالالم والوجع الذي سببه لقلبها الطيب؟
انه يتمتع بقلبٍ قاس…واحساس متبلد..
ما ابشع تلك الوحه التي بنيت بفزعها وخوفها وهي التي
أخضعت نفسها لهذه التجربه , فقط لترى وتميز من نطق بتلك العباره..أحبك يا ناديا’’
فجاء الفزع ليفقدها ما تمنت سماعه؟
كل الود
أكتوبر 18th, 2009 at 18 أكتوبر 2009 5:53 م
عبد الله
اختيار جميل
اعشق قصص تشيكوف وعندي مجموعته القصصية
في ذلك الزمن الجميل كان هناك حياء
لو حدثت القصة الان ماذا ستقول الفتاة بالطبع ستستفسر او تبادر هي وقد تبصق في وجهه
ذوقك راقي وجميل
يا الهي كم احببت هذه القصة
!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!1
عبد الله سازورك دوما ومدونتك من مفضلاتي
أكتوبر 18th, 2009 at 18 أكتوبر 2009 5:57 م
عبد الله
هل تسمح لي
ساخذ القصة معي
ساقراها مرات ومرات للغتها الجميلة
كم هو وصف جميل وبناء متقن للقصة
كن بخير اخي
أكتوبر 19th, 2009 at 19 أكتوبر 2009 8:14 ص
ليبيا.. أكواخ للفقر ببلد النفط
بلغت ظاهرة الفقر في ليبيا حدا لم يعد مجديا التكتم عليه، حتى إن الرئيس الليبي معمر القذافي اعترف رسميا -وفي أكثر من مناسبة- بوجود مليون ليبي فقير، كما أن رئيس الحكومة أشار إلى وجود قرابة 180 ألف أسرة تعيش على 100 دينار ليبي (75 دولارا)، الأمر الذي يعني أن خمس سكان ليبيا يعيشون تحت خط الفقر، إلى جانب بطالة بلغت 30%؛ أي ما لا يقل عن مليون ليبي عاطل عن العمل……
وبعد كل ذلك : نجل القذافي يشتري منزلا في أرقى ضواحي لندن بـ 5. 16 مليون دولار !!…..
باقى المقال يوجد فى صفحة الحوادث بالرابط التالى:
http://www.ouregypt.us