آلاف البُحيراتْ

الرَأْس ْ

كتبهاعبد الله أحمد عبدالله ، في 18 أغسطس 2009 الساعة: 18:43 م

الرَّأسْ

 

 

 

 

 

 

 

طرقتُ الباب بشدّة  .. الساعة الأن الثامنة .. سنتأخر عن موعد الطبيب .. ركلتُ الباب بقدمي :
ــ أستيقظ أيها الميت ..لقد تأخرنا ..  سنبقى أسبوعاً لنتحصل على موعدٍ آخر .
لكنني أنتبهتُ فجأة أنني أطرقُ الباب من الداخل  ..أعني أنني كنتُ داخل البيت .. بالتأكيد لا أحد في الخارج .. هاه .. هذا سبب أختياري لهذا الأخصائي الشهير , حالتي لا يمكن فهمها إلا من شخص مثله , حالتي هذه جديدة , أبحث عن شخص أخر دائماً .. ثم أكتشف أنني أنا هذا الشخص الأخر .. نعم .. الشخص الذي أبحث عنه أنا .. و لكنني لا أكتشف ذلك إلا بمرور وقت ليس بالكثير , أتعبني جداً , أحياناً أستيقط بعد منتصف الليل على صوت تحطيم الصحون و الكراسي , أذهب مباشرة إليه .. و لكنني أتفاجأ ,عندما أجد نفسي واقفاً, لاهثاً, بعد نوبة التحطيم !
اليوم الذي ذهبتُ فيه لأخذ موعد مع الدكتور "شوقي" كنتُ أنقذ جاري "أشرف" من حادثة إعتداء و سرقة .. لكنني وجدتُ نفسي هناك .. أحاول سرقته , كان لابد من الطبيب , المسألة مُحيّرة قليلاً !
 
ـــ صباح الخير
ـــ صباح الخير .. تفضل
إحتضن وجهه بكفيه مبتسماً , في حين كنتُ  أخبره عن ألأعراض التي أشعر بها ..ثم أردف :
ــ منذ متى ظهرت هذه الحالة أول مرة ؟
ــ قبل أسبوع ..أستيقظتُ  على موسيقى بتهوفن,و الصُداع يخنق رأسي , كنت متأكد من أنني لم أشغلها .. ذهبتُ هناك , وجدت شخصاً , في الحقيقة لم أتفاجأ بوجوده  .. و عندما ..
 
إتكأ الدكتور للوراء مقاطعاً – بعد أنْ أسندَ صفيحةَ عُنقه على كفَّيه – و قدميه على الطاولة :
ــ نعم نعم .. لا أعتقد أن حالتك خطيرة .. لكن علينا أولاً أن نجري بعض التحاليل .. سنأخد صورة أشعّة لرأسك ..ثم نرى إن كان الأمر ليس عضوياً ..هيّا .. فلنذهب .
 
                                                   
في طريقنا لحجرة التصوير بالأشعة , لم يتوقف الدكتور عن ممازحتي , يربت على كتفي , ويخبرني بأن الأمر سيكون على ما يرام ..أخذنا الصورة , و عدنا لغرفة الدكتور .. شربنا القهوة .. و من ثمّ دخلت الممرضة تحمل الصورة في مُغلف أصفر ..كانت نحيلة صفراء اللون.. تتحدث ببطء شديد :
ــ تفضل دكتور .. ها هي الصورة ..
قام .. أتجه لجهاز الإنارة .. وضع الصورة .. إرتدى نظارته .. تفحّصَ الصورة ثمَّ نزع النظارة .. أخرج منديلاً و مسحها جيداً , و هو يرمقني بنظرة و أبتسامة .. أعاد النظارة ..بحْلق ثانيةً ..عاد للخلف و إلتفتَ إليّ .. هزّ كتفيه .. إقتربَ أكثر من الصورة .. جحظتْ عيناه .. أخذ ينظرُ إليّ , ثُمَّ إلى الصورة فاغراً فاه .. إتجه للهاتف .. تحدث بلغة لم أفهم منها غير "دانكا بروفيسور ".. كان العرق يقطر من جسده كله .. إتجه نحوي ..تلمّس رأسي ..
ــ ما بك دكتور ..؟!
ــ لا شيء ..لاشيء ! .. مجرد عمل روتيني ..
 
ما هي إلا لحظات .. و أزدحمت الغرفة .. أطباءْ من أجناس و ألوان أخرى يلتفوّن حول صورة رأسي .. هممتُ بالنهوض .. بادرني الدكتور :
ــ لا .. ! .. أرجوك لا تتحرك ..
كانت علامات الذهول .. تتفاوت إشاراتها على ملامحهم .. يتحدثون بهمس متقطع ..
فهمتُ أنهم ينتظرون بروفيسور ألماني إسمه "ياوس" .. لحظات , و دخل رجل سبعيني غليظ الجثة , وجنتيه عاليتين , تعلوهما حُمرة .. و أنفه مذبب .. صافحهم بسرعة .. ثم تحدث بعربية ركيكة ..
ــ أين هو صاهب الراس ..؟
أشاروا  إليّ .. ظلَّ صامتاً بُرهة ..ثُمَّ إتجه إلى الصورة ..وضع يديه على خاصرته ..زمّ شفتيه .. مال برأسه قليلاً .. حكّ أذنه .. رجع خطواتٍ إلى الخلف .. إبتسم .. إتسعت إبتسامته .. قهقه
ــ ها ها ها .. ها ها … هاا هااااه ها ها
…تعالتْ ضحكاته .. ضحك بقية الأطباء .. قهقهوا .. غرقت الغرفة بالقهقهة .. جثوا على رُكبهم .. أمسكو بطونهم  .. ثم خرّوا مغشياً عليهم !
 
 
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : بُحيرة - قِصّة | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

19 تعليق على “الرَأْس ْ”

  1. شرير

  2. عزيزي الغالي عبدالله

    ما هذا يا رجل!!!!!! ما هذا الإستغلال الجميل لغيابنا
    ما هذه الإنتهازية الرائعة لعزوفنا عن المدونات في شهر الإجازة…!!!!!! أيها الحبيب… هذه المرة الأولى لي منذ شهر تقريبا لدخول المدونات… وعندما دخلت بغير إذن لمدونتك لأقرأ الفاتحة كعادتي… وجدتها وقد تمايلت كخميلة…!!!!

    لاحقا نتحدث عن النصوص أيها النشيط المبدع

    في عمان ومنذ أسبوع دعاني أستاذنا الكبير يوسف ضمرة لحضور ملتقى القصة القصيرة هناك… بلغته تحياتك وسؤالك عنه فحملني لك كل التحايا وهو ممتن لسؤالك عنه

    تحياتي لك أيها العزيز

    ناصر الريماوي

  3. أنغام .. من يدري ؟!
    و لكن أفصحي .. :)

  4. الريماوي العزيز .

    هل تصدق أنني كنتُ أتوقع أنّك في عطلة ؟ .. أنا أيضاً كذلك .. و لعله السبب في هذا النشاط الإفتراضي .. هي نوبات يا صديقي .. تكرّ عليك في لحظة و تفرّ في أخرى .

    أحييك .. و أحيي الأستاذ يوسف .. لقد أشتقنا له و الله .. هو من النوع الذي يعلق في الذاكرة .

    كن بخير .. و أمنياتي بعطلة جميلة لك ..

  5. الصديق عبدالله
    اخفتني والله ؟
    شككت ثم تراجعت؟
    ولكن معهم حق الاطباء..!!
    من يملك رأسا كرأسك وما يحمل هذا الرأس عليهم
    ان يجتمعوا ويقوموا بعمل طوارىء؟؟

    ولكن اعدك انني اعدك انني ساحاول قراءة ما بداخله
    تحديدا…

    كن بخير

  6. حكيت يلي بقلبي وبس عبد الله :) مافي أكتر من هيك

  7. عزيزي عيد الله

    ما هذه المفاجاة الجميلة

    ستجد القاريء أيضا يقهقه وهو خارجا من تفاصيل هذه القصة يا رجل لقد أصابني ما أصاب الرجل وكذلك الاطباء
    أمسك برأسي لعلي أجد تفسيرا لكل ذلك

    يا لك من مبدع ديكتاتور ؟؟؟؟

    تحاول استفزازنا

    محبتي

  8. الصديقة فاطمة
    مساء الخير

    أشكرك لقراءتك , و كل العام و أنتِ بخير ..
    فقط , أحببتُ أن أنبه لأمر بسيط .. لا يمكن لأي كاتب أن يتنصّل من نصوصه , و يدّعي أنْ ليسَ ثمّة رابط بينه و بينها , و لكن لابد من أن نفرق بين “رأس الشخصية القصصية” و بينَ “رأس كاتب القصة ” :)

    كوني دائماً بخير .

  9. أنغام.. هذا إختزال رهيب يا أنغام :) .. قصة تُقرأ في كلمة! .. أشكرك جداً ..

  10. أواه ! .. ماماس هنا ؟ هذه هي المفاجأة الحقيقية .
    أين كل هذا الغياب ؟ ..
    أتمنى أن تكوني بخير و راحة بال .
    أشكرك جداً

    مع المحبة

  11. اخي

    جمعــــــــــــــه مباركـــــــــــــه
    وصيامـــــــــــا مقبـــــــــــولا

  12. عبدالله
    مساء الخير

  13. العزيز عبدالله

    قرأت الرأس مرات ومرات … تعكس مدى إحترافك لجنس القص هذا، لكنني لم أستوعب إسقاطاتها، لم تترك ظلا يشير لشيء ما… ربما قصور مني، لكنها ذكرتني باحدى قصص الاستاذ ضمرة، والتي ينهيها بأنه وضع رأس احدهم بين كتفيه … ” لكن شيئاً لم يتغير!!!”

    المتعبون:

    أحببتها وتركت في نفسي الشيء الكثير، حالة الركود والتي حركها عنصر خارجي تعود لتسود مرة اخرى بعد زوال ذلك العنصر المحرك… ولا اخفيك حدثت مرارا في مجتمع الحارات.

    الحفيد والجدة:

    قراتها لك في نادي القصة وعلقت لك عليها هناك

    أما لكنهم كذبوني…

    فهذه قصة تستحق التقدير وتستحق الوقوف عندها وبصدق فهي من ذلك النوع الذي يمنح كاتبها لقب قاص مبدع من خلال المستوى التقني الأبرز فيها.

    عزيزي عبدالله تسرني بساطة اللغة وليونتها وبساطة الطرح وعمق الفكرة المختبئة في قصصك…

    تحياتي

  14. صح سحورك
    انتظر جديدك ايه الغائب الحاضر
    كن بخير

  15. عبد الله

    مشدودة كنت حتى اللحظات الأخيرة
    مسيرتك والطبيب حتى غرفة الأشعة
    واختزال صورة الممرضة في جملتين قصيرتين
    كانا سببين جميلين لأعيد الكرّة
    مثنى … وثلاث … ورباع

    كل ما أفجعني أنهم يضحكون
    ألا تظن … ؟

  16. عبود
    صباح الخير
    كنت هنا اتفقدك وابحث عن جديدك؟
    كن بخير

  17. عبدالله
    مساء الخير
    ربما ان تحضر لمكان ترتاح به يسبب لك الصداع النفسي…
    لانك لا تستطيع ان تجد بهذا المكان الا الذكرى..؟

    كن بخير

  18. عبدالله
    صباح الخير
    كن بخير
    مرور اطمئنان ومحبه

  19. صباح الخير
    انا هنا اترك لك باقه من العطر



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول