آلاف البُحيراتْ

المُتعَبونْ

كتبهاعبد الله أحمد عبدالله ، في 3 أغسطس 2009 الساعة: 17:47 م

   المُتعَبونْ

 

لوحة الفنّان"جوزيف مطر"

 

 

 .

                                 اليوم الأول
 
الشارع مُمتد كالمسطرة خاليٍ من المارّة .. الشقق السكنية على طرفيه باهتة مُصْفرّة .. و الإسفلتْ المُحفرّ يئِن تحت وطأة الشاحنات الثقيلة بشكل متقطع ..  شقوقه تنفث السراب في ظهيرة قائظة .. "جميل" النجّار – "خالد" البقّال – وجوههم ساهمة .. يترنّحون مصهودين ,إثر الحرارة العالية .. و في الجهة المقابلة يَهُشّ الحاجّ "فتحي" الذُباب بمنساته ,وحيداً في مقهاه المُقفر ,إلا من "سليم المثقف" و جرائده المُملّة .
 
                             اليوم الثاني
 
تنزل "زنوبيا" درجات السُلّم .. تطرقها بكعبها العالي .. و شعرها الأسود الفاحم ينسدل على زنديها العاريين .. تمتطي الرصيفْ برشاقة .. تُخمدُ تنورتها متوسطة الطول بكفيها ,عندما تُرفرفُ متمردةً على فَخِذيها بسبب العجَاجْ .. تًمُرُّ بالقٌرب من المَحال التجارية البائسة .. يرمقها جميل من بُعد .. يستوي في جلسته :
ــ خالد .. أليستْ هذه زنوبيا طفلة الرجل الذي أُعدِمَ في الساحة العام الماضي ؟
ــ أي و الله .. إنها هي ..
ــ لقد أيْنَعتْ
ــ بالفعل .. أينعتْ
ــ ربما حان وقتُ قِطافها ؟!
ــ ………..
 تدقُّ الأرض برتابة تشي بالثقة .. و المتعبون يشهقون من رائحة عطرها المنثال .. تترجْرج أرواحهم كل يوم ,ريثما تغسل الشارع البئيس بعطرها صباحاً .. و تُطرب أسماعهم بدقّات كعبها العالي .
 
                             اليوم الثالث
 
ــ ما أجملك ..
ــ بس بس ..!
ــ كش كش !!
ــ يا أرض أحفظي ما عليكِ ..
ــ تَعالي لأحكي لكِ حكايةً في فَمِك !
ــ ممكن نتعرف ؟!
ــ ماشاء الله .. مثل الفَرَس  !
 
                             اليوم الرابع
 
 الشارع يُزهر .. الأصص تتناثر هنا و هناك .. جميل يُبَخْبِخْ الرصيفْ بالماء أمام دكانه .. خالد يدسّ نباتات الزينة في جنبات الورشة , و المقهى إكتظ بالزبائن .. سليم "المثقف" ذو النظارات الزجاجية المقعّرة .. أصبح يفتتح المقهى مع الحاج فتحي ! و يحجز كرسياً قريباً من الرصيف باكراً.. و حتى رئيس دائرة البلدية أتى بنفسه ليشرف على إصلاح الطريق المُحفرّة! و جلب خلفه جميع المعدات اللازمة.
 
                            اليوم الخامس
 
المُرابط "بنّور" المنغولي خرجَ من جُبّته عندما إنثالت رائحة عطرها إثر مرورها أمام الجامع .. و لم يعد في الجُبّة أي شيء الأن ! .. و تفتحت عينيه  الصغيرتين إثر هطول رائحتها , و هو نائم ممدود على الأرض , فأطلق عُواءً حاداً في نفسه .. لملم "البسطة"التي يجمع فيها ثمن الدعوات و الإبتهالات ,و بعض البصقات المباركة! ..ذهب لمتجر الملابس الراقية , و أشترى بنطالاً و سترة جديدة .
 
                            اليوم السادس
 
تمرّ أمام المقهى المكتظ , تحتضنها العيون , الوجوه باسمة , سليم المثقف محشور في بدلته السبعينية ذات الرقعتين على مرفقيها .. و كأنه مُقمّطٌ فيها ! .. يدسّ رأسه في الجريدة .. و تبقى عيناه تتلصصان من طرف الجريدة الخفيّ .
 
                          ليلة اليوم السابع
 
زغرودة تشقُّ ظُلمة الليل كالسيف.. أصوات طلقات نارية .. خرج المتعبون من شرفاتهم .. تتساقط أعمدة معدنية من السماء .. تنغرس وسط الساحة أمام عمارة "زنوبيا" تهبط من السماء خيمة ! تكسو الأعمدة المنصوبة ,أسراب المصابيح المُلونة تتناسل بين العمارات ,تتعالى الأهازيج .. "الليلة حوشنا ضاوي" .. " عريسنا ما أحلاه , يشبّه لجدّاه"! " صالح صلوحي .. نبِّيه بروحي"! .. سيارة بيضاء تندلق من آخر الطريق المُحفَّر .. تدخل داخل الخيمة .. تخرج من الجهة المقابلة .. يعم الصمت المكان ..تتحرر الخيمة من الأعمدة .. تحلق عالياً .. تتناثر الأعمدة بعيداً .. تنكمش الأسراب الضوئية الملونة .. تختفي ..
 
                             اليوم السابع
 
الشارع مُمتد كالمسطرة خاليٍ من المارّة .. الشقق السكنية على طرفيه باهتة مُصْفرّة .. و الإسفلتْ المُحفرّ يئِن تحت وطأة الشاحنات الثقيلة بشكل متقطع .. شقوقه تنفث السراب في ظهيرة قائظة .. "جميل" النجّار – "خالد" البقّال – وجوههم ساهمة .. يترنّحون مصهودين ,إثر الحرارة العالية .. و في الجهة المقابلة يَهُشّ الحاجّ "فتحي" الذُباب بمنساته ,وحيداً في مقهاه المُقفر ,إلا من "سليم المثقف" و جرائده المُملّة .

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : بُحيرة - قِصّة | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

15 تعليق على “المُتعَبونْ”

  1. يا اللــــــــــــه كم تلامس القلب. كم حقيقي أن الكل يتعلق بـ”زنوبيا” حينما “يهوش” العجاج ويعفر الرمل القلوب والأماكن.
    صحيح أن قطرة ماء واحدة تروي سنيناً من عطش

    تسلم يا عبد الله

  2. وكم هو مؤلمٌ أن نكلحَ بعد أن شممنا رائحة الماء , و كم هي فادحةُ خسارتنا, إنْ لم تغسلْ تلكَ القطرة قلوبنا المعفرة بالرمال .

    أحييك .. مع خالص كل شيء !

  3. تسقط زنوبيا حجرة متلألئة على وجه صفحة ماء البركةالراكدة..
    دوي خفيف يتطار منه ما يتساقط رذاذا يوقظ (هم)
    ثم دوائر تتسع شيئا فشيئا ممتدة من دكان جميل إلى جبة المرابط بنور..
    تتلاشى الدوائر ثم تختفي
    و يبقى غير بركة الماء الآسنة…

    مع بعض موسيقى اينيو موركوني ،
    كان النص سيلبس عباءة فيلم شيق من أفلام سيرجيو ليوني..

    تمتعت كثيرا بالنص
    حتما سأعود

    تحياتي

  4. مرحباً ناجي

    أشكرك جداً لقراءتك, و أهلا بك دائماً و أبداً .. و في إنتظار عودك ثانيةً , أحييكْ

  5. الصديق عبدالله
    صباحك بلا ضجيج

    المُتعَبونْ
    اجمل ما هذا العنوان انه يصف هؤلاء الفئه من البشر
    بلا اقنعه ولا نظارات سوداء كالتي تلبسها..
    اقرأ لاجد نفسي ان البدايه كالنهايه ..؟
    مجتمعات رتيبه لا يغيرها شيئا الا ازا دخل عنصر غريب
    يثير بهم كوامن ما …فينهضون ويتحركون …وليتهم لم يفعلوا؟

    زنوبيا قصه تحدث كل يوم ولكن بلباس وشكل اخر ..

    كن بخير

  6. فاطمة عبابنة
    صباح الخير

    أشكرك لقراءتك , و أهلاً و سهلاً بك في بُحيراتي , أحييكْ

  7. صبـــــــــــــــــاح الخيــــــــــــــــر
    كل الموده

  8. الفاضل عبد الله مساءك سعيد

    جميل ما قدمت …
    دائما ياتي من يسرق احلامنا ويروح ….
    فما السبب؟؟؟؟اهو عجزنا يا ترى ؟؟؟؟؟
    وما هو الحل؟؟؟؟؟
    هل نبحث عن حلم جديد وننتظر لياتي احدهم ويسرقه
    تقبل تحياتي

  9. عبدالله
    مساك الخير
    محمد عبابنه هو ابن عمي وانا قلت له ان هناك مدونه رائعه باسم الاف البحيرات…

    كل الود

  10. الأخ محمد عبابنة
    مساء الخير

    أشكرك جداً , الأحلام هي ما تبقى لنا , أتمنى أن لا تُسرق هي أيضاً . أحييك

    فاطمة
    مساء الخير

    أهلاً و سهلاً بكِ أنتِ و محمد و عائلة عبابنة جميعاً .. شكراً لحضورك الدائم .

    أحييك

  11. الفاضل عبد الله
    صباح الخير

    هل انت متاكد انها ميتة…؟؟؟ حاول ثانية ربما هي في غيبوبة ..؟او انها تحاول نزع اهتمامك اجدها كذلك…
    ارجو ان تطمئنني اذا ما عادت لها الحياة…
    تقبل فائق احترامي واعتذاري لاني اقحمت نفسي في التعليق على حالة اردتها لنفسك غير ان نفسي راحت تحثني فاستسلمت لها وخرجت على اصول الحوار…

  12. عبد الله
    مساء الخير

    ما اكثر المتعبين؟!
    انهم كثر
    من جميع الفئات والاعمار

    سرد روائي جميل
    انت مشروع روائي عظيم وانا لا اجاملك
    تقبل اعجابي بما تكتب

  13. اخي…
    اللهم رب السماوت والارض اغفر وارحم وانت خير الراحمين…
    اللهم اجعلنا من الصالحين واعطنا اجر الصابرين…
    اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات…الاحياء منهم والاموات.
    جمعه مباركه وعمل مقبول بأذن الله.

    وكل عام وانتم بخير بقدوم شهر المغفره

  14. المتعبون تأكلهم الرتابة.راكدون.متحالفون مع الديمومة
    المستميتة في البقاء على الوجه الواحد.هي وحدها من أحدث
    هزة.في الأعين والأعماق.في الحياة.لكن الخيمة التي انتصبت
    تأخذها فجأة ليستعيد الجميع فتح مسراب الرتابة القاتلة.
    ممتع.عميق.سامق.فوق كل رتابة معهودة.

  15. لوحة شاهدتها كثيرا
    غير مكتوبة
    ما ظننتها تنطق بالأحرف

    لأتّخذنّ من مدونتك معيناً



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول