آلاف البُحيراتْ

لَكِنَّهمْ كَذَّبُوني ..

كتبهاعبد الله أحمد عبدالله ، في 25 يوليو 2009 الساعة: 22:04 م

 

 

لَكِنَّهمْ كَذَّبُوني..

                                 إلى صاحبة موقد الحطب الدافيء "أنغام يونس"

 

 

لوحة الفنان "جوزيف مطر"

 

 

 

 

لم يصدقني أحد حينما أخبرتهم أنني لا أكذب .. و أنني أرى بأصابعي ! .. و أن الجمال الحقيقي لا يرى بالعين .. عندما كنت طفلاً صغيراً  كنت أتلمّس الأشياء بأناملي.. حتى أنني أكتويتُ بنار المَوقد عندما أدخلت يدي في النار .. أخبرتني أمي أنني أُصبتُ بمرضٍ غريبٍ في عينَيَّ عندما كنتُ طفلاً , و أنّني لم أعُد أرى جيداً .. أو أنّني أنا من كان يزعمُ ذلك ! , و قالت :لقد كنت تلمس كل شيء بيدك .. و تزعم أنك ترى الجمال  بأصابعك ..

ينادونني بال"الأفعواني" رغم أنّ أسمي "صافي" و كنت أغضب كثيراً من ذلك .. لأن صافي أجمل  ..

كنتُ صغيراً أحبو نحو النخلة الباسقة أمام البيت , و أضع أصابعي في شقوقها  و غِمدها الليفيّ, أتلمّس سحرها , و كذبوني حينما أخبرتهم بأنني أرى الجمال بأصابعي .. و أن أسم نخلتنا "غزالة"  و أن لديها أطفالاً في مثل سنّي , و أنهم سيكبرون كما سأكبر .. و حتى "قمر" تلك القطّة الجميلة التي تعيش مع جارتنا "هناء" تعلم جيداً أنني لا أكذب .. و أسألوها إنْ شئتم ..

و عندما كبرتُ و بلغت المرحلة الإعدادية إزداد المرض  الذي فتك بحواسي قوةً .. و إزادادت مشاكلي كما أخبرني أبي , و لم ترأف المُدرِّسة "فوزية" بحالي حينما أشتكت لها جارتنا "هناء" من أنني أتلمّس سيقانها البضّة ! - وقد كانت تجلس بقربي في نفس المقعد - ولم يصدّقني أحداً منهم عندما أخبرتهم بأنني أرى الجمال بأصابعي و لم أقصد أياً مما فهموه !

و حتى القاضي شكَّ في أنّ بي مسّاً من الجنّ .. عندما أخبره مستشار الطبّ النفسي في القضية التي رفعتها عليّ "سلوى" من أنني  وضعت يدي على مؤخرتها في محطة الباصات عندما همّت بالصعود أمامي, و أنا لم أنكر أي قضية من القضايا المرفوعة ضدي .. و كذبوني حينما أخبرتهم أنني أتلمّس الجمال بأناملي ..  و لم أقصد ما فهموه , أخبره المستشار بأنني بكامل قواي العقلية .. و حتى المرض الذي أزعمه ..لا وجود له .. هكذا قال المستشار ..  و عندما رأي القاضي إبتسامتي ,ظنَّ أنني أسخر منه, و لم يعلم أنني كنت أتلمّس الأعمدة الخشبية المتعرّشة  لقفص الإتهام .. كانت متماثلة و مصقولة بعناية, و في نهايتها تتكور كتل خشبية منحوتة بجمال أخّاذ .. كنتُ أمرّر أناملي في ممراتها المُدهْلَزة و تكوّرها .. و أتلمّس سحر ملمسها الصقيل ,  و لا أدري لما تذكّرت هناء و أنا أُمررُ أناملي على الأعمدةِ الصقيلة , و أيضاً سلوى حينما وصلتْ أناملي لأعلاها , و لمّا حكم القاضي بأن أدفع غرامة مالية خيالية لسلوى .. شعرت بأن أناملي تيبَّستْ , و بكيتُ في وقتها , حتى أبتلّتْ الأوراق التي أمامي .. و صرخت بأعلى صوتي :

 ـــ أرجوكم .. إلا اللمس .. إلا أناملي ..

و حتى  "سعيد"الخضّار .. لم يصدقني عندما أخبرته بما تقوله الفواكه و الخضروات التي يبيعها .. و أخبرته بأن الدّراق عاشقٌ حدّ الثمالة , و أن الزغب الذي يغطي "الكيوي" يدفئه في ليالي ميلاده الأولى .. و ان تلك التفاحة التي ترتدي فستانها الأحمر ,ذاهبة للقاء عشيقها ..

أصبحتُ خائفاً من أن أفقد حاسّتي التي أعيش من خلالها , بعد الذي حدث في المحكمة .. حتى أن "زهرة" زوجة الخضّار الجميلة ,و التي تكبرني بعشرة أعوام أو أكبر , دعتني ذات صباح  و قالت :

  ــ تعال .. أدخل .. أريدك أن تكشف لي عن الجمال الذي دُفن في بيتي مذّ أنِ امتهن سعيد بيع الخضار

لكنني هربتُ و تواريتُ عن الأنظار بعد أن أخبرتها بأن أناملي تيبّستْ في المحكمة ,عندما حاكمو الجَمَال , فأخبرتني بأنها الوحيدة التي تصدق أنني أرى الجمال بأصابعي ! ,لذلك أخبرتها بأنني لن أدخل لكي لا أفقد الثقة التي تدعمني , كونها الوحيدة التي تصدقني.

 و عندما أدخلوني لحفرة القبر .. أخبرني إبني في العالم الأخر , أنّ زهور اللوز كانت تتفتّق من حاشيةِ أظافري, و أنّ البراعم تنفلتْ من بين الجلد و الظُفر .. و أن راحتّي دافئتينِ نديّتينِ .. مع أنهم كذبوني و لم يصدقو  بأنني أرى الجمال بأناملي , و أنني لم أقصد شيئاً مما فهموه .  

 

 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : بُحيرة - قِصّة | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

5 تعليق على “لَكِنَّهمْ كَذَّبُوني ..”

  1. أما أنا فاخضرت أناملي واعشوشبت مذ رأيت اسمي في الإهداء. ثم انغمرت تحت طمي النص الطري الحلو.

    أصدقك..جداً… فأنا أرى الجمال بأنفي :)

  2. أنا أيضاً أصدقك ..”كن جميلاً .. ترى / تشُم / تتحسس/ الوجود جميلاً :)

  3. أكان لا بد لك أن تلهيني بإهداء النص؟
    صار لي 3 أيام أدخل أقرأ الإهداء وأخرج!
    صار لازم أرجع أقرالك بقا! :)

  4. عبد الله

    ماقيمة عالم لا نعيشه بحواسنا الخمس؟؟
    أكاد أقول الست أوحبى العشر؟
    لأن حواسهم تخشبت من كثرة عدم الاستعمال لن يفهموا أبدا
    كيف نستنشق جمال ألوان قوس قزح، ونرى العطر ينبثق من قلب زهرة، ونرى تغريد العندليب..

    ومع ذلك يقولون إن العين تزني وزناها النظر..

    تمتعت فعلا بقراءة هذا النص،

    أحييك

  5. لكن لن أكذّبك مثلهم
    فالجمال يحسّ يدرك ويرى



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول