آلاف البُحيراتْ

فوبيا الكلام (7)

كتبهاعبد الله أحمد عبدالله ، في 14 أكتوبر 2008 الساعة: 20:43 م

122400الإنزلاق نحو عالمٍ أخر

 

                                   (1)

ما إن رشفتُ قهوتي,حتى تقاطروا من الحافة السفلة للباب,أثار إستغرابي قدومهم مبكراً ,فالشمس لم تطلع بعد , و حركتهم المتسارعة توحي بأن قدومهم عن سبق إصرارٍ و ترصّد … غالباً ما أجلسُ في كل صباح في فناء بيتي لأرتشف قهوتي,الكرسي الذي أجلس عليه بجانب باب المدخل,بحيث يكون باب الفناء الرئيسي قُبالتي مباشرةً,حرصتُ كثيراً على أن يكون الممرّ الذي بينهما أجمل معالم الفناء,العشب الأخضر و الزهور البرية على طرفيه,ولكن هؤلاء الشياطين أفسدوا علي صباحي!

                                        (2)

زوجتي تغطّ في نوم عميق و قد غرزتْ رأسها في الوسادة كي لا يزعجها تغريد العصافير صباحاً !,ذاك أمرٌ جعلني أكثرَ حرية مع ذاتي,جثوتُ على ركبتيّ,ألقيتُ نظرةً خاطفة على شرفة المنزل الذي أمامي..كانت تطلّ على داخل الفناء..لم يكن بها أحد.

كانوا يسيرون في خطوط متوازية,أحدهم يخرج و الأخر يدخل.. الخارج كان يتجه نحو الحائط , أستغربتُ لسلوكهم طريق ..غير طريق الدخول

                                        (3)

أردتُ كسب الوقت,فألتصقتُ بالإرض و أغلقتُ إحدى عيني و أقتربتُ من الصف الداخل ,كانوا يشبهون بعضهم البعض,و أجسادهم مركبة من ثلاثة قطع سوداء,في كل قطعة ذراعين.. أمسكتُ أحدهم بدا لي للوهلة الأولى أنه المسئول .! قربته إلى عيني المفتوحة وألتصق وجهي بالبلاط

:من أنتم !؟.. و ماذا تريدون ..!؟  قلت للنملة,ضحكتُ و قلتُ في نفسي ما هذا الجنون الذي أمارسه,أستلقيتُ على ظهري ضاحكاً و لكن ,فاجأني صوت رقيق

: إتبعني و سوف تعلم ..!  إلتفتُ مباشرةً إلى تلك النملة,إمتلئتُ بالبهجة و الدهشة معاً,نظرتُ إلى نافذة غرفتي ,كانت مغلقة,وشخير زوجتي ينساب من شقوقها.

:هيا بسرعة .. لا وقت لدينا ,قالت لي النملة.. تحركت أمامي,بعدها دخلتُ للسرب زاحفاً والنمل من خلفي .. إنطلقنا من بداية الممرّ الداخلي ,مررنا على المطبخ عن يميني ,تليه غرفة نومي, بأخر الممر غرفة المخزن , فتحتُ الباب لأنني لم أستطع الدخول من تحت الباب كباقي أصدقائي..! رغم محاولاتٍ مضنية !

 

                                        (4)

 

في داخل المخزن وجدتُ فوضى عارمة لايوحي بها النظام خارج هذا المكان,بعضهم يحمل حبات السكر من الكيس الممزق و أخر يتسلق الحائط و كثير منهم ينتشرون بشكل عشوائي,لكنّ الأكثرية كانو يحملون خنفساً بالياً تجمهروا حوله ..كانت الرؤية مذهلة ووجهي ملتصق بالبلاط..! رؤية من زاوية جديدة..

أيعقل أن يكون الغداء سبب كل هذه الفوضى..!؟

 

                                        (5)

 

: أنت .. أحمل شِوال الأرز! , بلهجة صارمة قالت لي النملة,وضعت الأرز على ظهري و زحفتُ خارجاً..رأسي لم يعد يحتمل الكمّ المفاجيءللأفكار في حينها,في طريق الخروج إعترضتني مشكلة صعود الحائط فالقائد لا يتسامح بالإخلال بنظام السرقة !

       : أنت ..!

أجبته : نعم ؟

       : هل لديك طلاء أسود ؟

       : نعم.. لماذا !؟

       : لا يمكنك الدخول هكذا إلى المعسكر

       : أي معسكر..!؟

       : معسكرنا .. يجب أن تنزع ثيابك و تصبغ لونك  !

إبتسمتُ لتلك النملة مظهراً لها إعجابي,أخرجتُ دلواً مليئاً بالطلاء ,نزعتُ ثيابي,سكبتُ الطلاء على رأسي,مررّتُ يديّ على كل جسدي حتى تعمّم عليه كله,وضعتُ الأرز على رأسي, جلبتُ سُلّماً,وضعته على الحائط,صعدتُ,رميتُ الأرز في الناحية الأخرى و قفزت,إلتصقتُ بالأرض, وضعت الأرز على ظهري متجهاً أنا و النمل إلى شارع ترابي يمين باب بيتي بقليل .

                                      (6)

وصلنا إلى باب المعسكر,دخل القائد و تبعه بقية الجنود,عندما وصلتُ ,وجدتُالباب بحجم فتحة أنفي ! ,غضبتُ كثيراً ,أدخلتُ إصبعي في الباب ,دمرته,وبدأتُ بالحفر بكلتا يديّ..بكل قوّتي,بدأت الحفرة تتسع,حاولتُ إدخال قدمي لكنها لازالت ضيقة,شعرتُ بوخزة في رأسي.. فار منها سائل ساخن ,وضعتُ يدي تلمستُ جرحاً غائراً ..سائل أحمر مختلطٌ بالسواد ينزف من رأسي ! إلتفتُ خلفي , رأيتُ أطفالاً يصرخون و يرشقوني بالحجارة , إلتفت جهة الشرفة المطلة على فناء بيتي, فتيات يتضاحكن بهمس و يُشرنَ إلى مركز فحولتي!!.. إلتفتُ إلى بيتي , زوجتي بثياب النوم تجري نحوي و تصرخ

 : يا إلهي .. يا إلهي …  ألم يأمرك الطبيب بأخذ دواءك كل صباح في الوقت المحدد

 

.. لم أشعر بالخوف عندما بدأت بالإنزلاق نحو حفرة النمل..أمسكتُ بشوال الأرز

و أنزلقتُ نحو عالمٍ أخر .

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : بُحيرة - قِصّة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

9 تعليق على “فوبيا الكلام (7)”

  1. غرائبياتك لها نكهتها الخاصة. فنتازيا مشوبة بالرعب . اتابع إدراجاتك قبل أن تختفي مدونتك هل شطبتها متعمدا ؟اليوم اثرت ان اعلق على هذه القصة بعد أن فاجاتني رؤية مدونتك على قائمة مدونات حسب الدولة.اهلا بك مرة ثانية ……………….. متابع

  2. عبد الله

    في كل مرة..تأخذنا الى عالم فيه ما فيه…واجمل ما فيه هو انك تحركنا في ارضك العجيبة..فنأخذ رهن اشارتك لنسير مع جرة قلمك حيثما شئت انت..وتترك لخيالنا الفضاءات..لنفسر ما تكتب على طريقة افكارنا واحلامنا..

    سيدي

    لقلمك الراقي اقف احتراما…ودعني استعير كلمة الاستاذ يوسف ابراهيم(اصفق لك)..علي اوصل الحالة التي انا بها

    كل الود

  3. الزملاء والزميلات

    ادعوكم للدعاء بالشفاء للعزيز

    ******************* ( سعيد الشريف )*********************

    صاحب مدونة الايجابية والاصلاح ..

    بسم الله اللهم اشف انت الشافى لا شفاء الا شفاؤك شفاؤا لا يغادر شقما

  4. أخ عبد الله

    سعيد بالتعرف الى مدونتك

    وأتمنى التعرف اليك أكثر من خلال كتاباتك

    كل التحية لك

  5. عزيزي عبدالله

    منذ فوبيا الكلام، وانا ميّال لتصيد ما تكتب، فأنا يعجبني السرد الذي يؤسس لغموض غير مبتذل ثم يبدأ بفض غمار الحبكة بلغة سهلة تفضي لأحداث منسقة ومرتبة سلفاً، وامر آخر له أولوية على ما تقدم وهو تامين ذلك القدر الهام من المتعة والذي يعمل على الجذب في تحقيق انزلاق سلس بين السطور حتى الخاتمة دون ملل… وهذا ما تجلى في فوبيا الكلام وفي هذه القصة…

    يعني براعة القص تتحقق كما اعتقد من خلال المهارة في عملية اخراج القصة التي تشابه الإخراج السينمائي، ببساطة اكثر القصة واحدة… إذ يمكنك البدء بالقصة بتحذير الزوجة لزوجها المريض أو الذي يعاني الفصام بانه يجب عليك أخذ دواءك… ثم تسرد علينا باقي القصة، لكن البراعة التي اشهد لها والتي تمثلت بقصتك والتي تدل على ذكاء في الصنعة هي البدء بعكس ما تقدم جعلت جملة الزوجة تاتي في النهاية … مع أن القصة هي نفسها بالحالتين لكن إخراجها بالطريقة التي قرأتها بها جاءت ممتعة ومعبرة وجاذبة لي ولغيري…

    تحياتي ايها العزيز

  6. عزيزي عبد الله

    أول شيء اعتذر عن قدومي متأخرة
    رغم انك من الكتاب الذين أحرص على
    القراءة لهم لما تتميز به كتاباتك من فنية
    وحبكة ودهشة في نهاية النص
    التي تكون دائما غير متوقعة هذا غير
    جمالية الاسلوب الذي يمنحنا جاذبيته
    كي نمشي متلهفين إلى آخر كلمة فيه

    النص جميل وانا سعيدة بأنني هنا
    أقرا بمتعة ودهشة ؟؟؟؟

    مع المحبة

  7. كلما قرأت ازددت دهشة وذهولاً! أما زال هناك من يكتب هكذا؟
    منذ أقل من أسبوع كنت أشكو لصديق لي أنني لم أقرأ منذ دهراً نصاً (بيفش القلب) والآن فُشَّ قلبي وارتويت، ولكنني لما اكتفِ.

    مياو

  8. منذ دهرِ*

  9. أمّا أنا, فلا أرتويتُ و لا أكتفيتْ! .. و لازلتُ متعطشاً تَعِبا ”

    مياو مياو



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول