مزحة !
ترجمة : أحمد حسن المعيني

كان يوماً شتوياً مشرقاً , و كانَ صقيعٌ حادّ , و كانت قطعٌ فضية منه تغطي الخصلات المُتحدّرة على جبين "نادينكا" , و أسفل شفتها العُليا . كانت تتمسكْ بذراعي و نحن واقفان فوق تلّةٍ عالية . و من مكاننا حتى قاع الأرض , إمتدّ سهلٌ إنعكست عليه الشمس بوضوحٍ كأنه مرآة صافية. و إلى جانبنا كانت مزلجةٌ عليها قماشٌ أحمر اللون فاتحة .
رجوتها قائلاً : " هيّا بنا لنتزحلق للأسفل يا نادينكا.مرةً واحدة فقط. أؤكد لكِ أنه لن يحدث أي مكروه " .
و لكن (نادينكا) كانت خائفة. فالمنحدر الذي يبدأ من تحت حذائها الطويل إلى أسفل التلة الثلجية بدا مريعاً لها كأنه هاوية سحيقة. خانتها شجاعتها و حبست أنفاسها و هي تنظر إلى أسفل , بعد أن أكتفيتُ بأن اقترحتُ عليها إمتطاء المزلجة, ولكن ماذا لو كانت هناك مخاطرة بالسقوط إلى الهاوية ؟ كانت ستموت, كانت ستفقد صوابها .
قلتُ لها : "من أجلي أنا, لا تخافي. لا يجدر بك الخوف, فهو مرضٌ للنفس و جبنٌ عظيم" .
أستسلمت (نادينكا) أخيراً , و من ملامح وجهها أدركتُ أنها استسلمت و هي تختنق فزعاً. أجلستها على المزلجة, و هي شاحبة مرتعدة الأوصال, ثم طوّقتها بذراعي, و دفعتها و أنا معها إلى أسفل الهوة السحيقة.
أنطلقت المزلجة كالرصاصة, و الهواء المندفع بفعل تحليقنا ضرب في وجوهنا بكل قوته و هديره, ثم أطلق صفيره الحاد في آذاننا , و تمزّق على أجسادنا , ثم اشتدت قرصاته في وهج غضبه و حاول أن يقتلع رأسينا من على أكتافنا. كنا بالكاد نتنفس تحت ضغط الريح. بدا الأمر و كأن الشيطان نفسه أمسك بنا بمخلبيه و أخذ يسحبنا إلى الجحيم تتبعه زمجرته. كل ما كان يحيط بنا..ذاب في خيطٍ رفيع طويل , طويلٍ يتسارع بشدة. لحظة أخرى و بدا أننا هالكان.
قلتُ بصوتٍ خفيض : " أحبك يا ناديا".
بدأت المزلجة تتباطأ في حركتها أكثر فأكثر, و خَفتَ هدير الريح و طنين الهواء, و غدا التنفس أسهل, و أخيراً وصلنا إلى الأسفل. كانت (نادينكا) أقرب للموت منها للحياة. كانت شاحبة لا تكاد تتنفس, فساعدتها على النهوض.
قالت و هي تنظر إليّ بعينين ملؤهما الرعب " "لا شيء سيجعلني أكرر ذلك. لا شيء في هذا العالم كله. كدتُ أموت" .
بعد دقائق أستعادت اتزانها و نظرت إليّ بتساؤل, هل نطقتُ فعلاً بتلك الكلمات الثلاث, أو أنها تخيلتْ ذلك في غمرة الإعصار ؟ جلستُ بجانبها أدخّن و أنظر بإمعان في قفازي.
تأبطتْ ذراعي و قضينا وقتاً طويلاً نمشي قرب التلّة الثلجية. من الواضح أن اللغز أرهقها. هل سَمِععَتْ تلك الكلمات أم لا ؟ نعم أم لا ؟ نعم أم لا ؟ كانت مسألة كبرياء أو شرف, مسألة حياة .. كانت مسألة في غاية الأهمية, بل أهم مسألة في العالم. ظلّت (نادينكا) تنظر في وجهي بنفاد صبر و حزن نظرة حادة. كانت تجيب بعشوائية, تنتظر ما إذا كنت سأتكلم أم لا. ياه, يا لهذا اللعب بالمشاعر على هذا الوجه الجميل !. لاحظتُ أنها كانت تصارع نفسها, و أنها كانت تريد قول شيء, تريد أن تسأل سؤالاً, و لكنها لم تجد الكلام. شَعَرَتْ بأنّ الفرحة تسقيها حيرةً و خوفاً و ارتباكاً.
قالت من دون أن تنظر إليّ :"لدي فكرة".
فسألتها :"ماهي ؟"
ـ هيا بنا.. نتزحلق للأسفل مرة أ
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ