الصبّي الشرير

| ► | نوفمبر 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
| 28 | 29 | 30 | ||||

الصبّي الشرير

زَوْجَتي ..

"إزميرالدا" لجوزيف مطر

يا آخرَ الأخريات ..
يا بَسْمتي بينَ غُصّتينِ ..
وانسِحاب الدمعِ بَعدمَا يُغلِفني الضَبابْ
*
ألِيفتي…
يا شرقيةَ الملامحِ
ضُمّي ساقيكِ
لِئّلا تغتصِبكِ عُيونُ الملوك
غُضّي هُدبك السجّان
على درعِ عذريتكِ الأبديةِ
وعن انتصابِهم بالإثم كُّلما لمحُوكِ
*
صديقتي…
يا عُذوبةً تقطرُ على أعواميَ الآفلة
لُمّي بَعثرةَ ثيابكِ
وضُبّي غجريةَ شَعرك
تَزيني… كَعروسِ النيلِ
و ارْتَمي
قُرباناً لسعادتكِ
سأمنحُ رُوحي
أُضحيةً
سأشنقُ نفسي بِابتسامةٍ مزيفةٍ
وربطة عنقٍ لائقةٍ لملقاكِ
*
بُنيّتي
سأرفعُ غداً طَرحتكِ وأرقُصْ
دوستويفسكى: إياكم والإيمان بوحدة الإنسان

من دراسة للكاتب الألمانى ستيفان تسفايغ "بناة العالم"
ترجمة: موفق الدليمي
"إن ما يجعلك عظيما، هو ألا تستطيع أن تنتهي" – غوته
هذه الجولة فى أعمال دوستويفسكى تقود السائر.. عبر جحيم الرذائل ويرقى به كل درجات العذاب الأرضي، عذاب الإنسان وعذاب البشرية، عذاب الفنان والعذاب الأخير، عذاب الله، وهو أقصى ألوان العذاب!!
إن الفكر والإيمان قد أنقذا دوستويفسكى من الحياة الضحلة والوضيعة والجسدية، ففى أعمق أعماق دوستويفسكى تتجلى دائما ذروة عظمته: لا ينطق محياه قط أقوى مما ينطق من عالم الموت.
مأساة حياته
يحس المرء بذلك ــ أول الأمر ــ تعذيبا لا معنى له، ذلك أن هذه السنوات الستين تعذب الجسد المتداعى بكل أدوات التعذيب.. لم يدخر عذاباً، ولم ينس تعذيباً ويبدو هذا المصير بادئ ذى بدء قسوة لا معنى لها وعداء أعماه الغضب.
إن يد الله الجبارة تفعل ما تفعل بأيوب إذ تحطمه دائما.. فى أكثر اللحظات أمانا فتنتزع منه الزوج والولد وتثقل كاهله بالمرض، وتشهر به فى ازدراء لئلا يكف عن الصراع مع الرب، وليظفر به الرب أكثر من ذى قبل بتذمره المستمر وأمله الذى لا ينقطع! ثم ينشئ دوستويفسكى من ألمه حبا لمعاناة الألم وهو يغرق عصره وعالمه بلهيب عذابه القائم على المعرفة.
إن ديون دوستويفسكى وهمومه تخرجه بسوطها من روسيا والمرض ينخر فى جسده ويتيه فى أوروبا بأسرها كالبدوي، وقد نسيته أمته.. ثم يعود للمرة الثانية بعد أن قضى فى سيبيريا إبان سجنه وهناك فى ملجأ الفقراء بموسكو فى كوخ ضيق كان يقاسمه مع أخيه، أنفق السنين الأولى من حياته، فلا يجرؤ المرء على أن يقول: طفولته.. ذلك أن هذا المفهوم مات وتلاشى من حياته فى مكان ما.
من دخان هذه الأيام العكر، تتكاثف على نحو بطيء صور خاصة وأخيرا ينضج من هذه الحالة الضبابية القائمة على الخوف والوجد مؤلفه الأدبى الأول، الرواية الصغيرة "أناس بؤساء" لقد كتب هذه الدراسة الإنسانية البارعة عام 1844، وهو فى الرابعة والعشرين من عمره، وكان الفقر وهو أعمق ما يذله هو الذى أنتجها ألا وهى حب الألم والمشاركة اللانهائية فى الألم.
ثم يهرع الشاعر الروسى الكبير نيكراسوف إلى بيلينسكى (ناقد روسيا الجبار) وينادى وهو على الباب ملوحاً فى يده كالراية قائلا: "لقد نشأ غوغول جديد" ويغمغم بيلينسكى وقد أغاظته كل تلك الحماسة بقوله: "إن الغوغولات لتنمو عندكم كما ينمو الفطر" بيد أن بيلينسكى يتحير عندما يزوره دوستويفسكى فى اليوم التالي، قائلا: "ترى هل تدرك أنت نفسك ما أبدعت هنا؟!" لكن دوستويفسكى يغمغم، هو أيضا شاكرا وفى دموعه تمتزج السعادة بالألم!!
ومرة أخرى كما حدث بالأمس يفتح دوستويفسكى فى الليل شقته متعجلاً، ولكن الصوت فى هذه المرة هو نداء الموت، فهؤلاء ضباط وقوزاقيون يقتحمون حجرته ويعتقل الرجل المستثار وتختم أوراقه بالشمع الأحمر: كان كل ذنبه الاشتراك فى مناقشات بعض الأصدقاء الغاضبين التى سميت على سبيل المبالغة باسم "مؤامرة بتراشيفسكي" ولا ريب فى أن اعتقاله كان سوء فهم. ومع ذلك ينزل الحكم فجأة كالبرق إلى أقسى العقوبات إلى الموت بالبارود والرصاص.
ومرة أخرى يتدخل القدر، ففى غسق الصبح يخرجونه من السجن مع تسعة من رفاقه ويسدل عليه كفن وتشد أوصاله بالحبال إلى الوتد وتعصب عيناه.. وفجأة يرفع الضابط يده ويلوح بالمنديل الأبيض، ويقرأ حكم العفو محولا الحكم بالإعدام إلى سجن أربع سنوات فى سيبيريا.
ويعود دوستويفسكى إلى بطرسبرج رجلا منسياً وتنتزع روايته "ذكريات من بيت الموتي" هذا الوصف الخالد لفترة عقوبته، روسيا من البلد الحسى المتمثل فى المشاركة اللامبالية فى المعاناة! الآن يأتى الفزع ضربة عاصفة إثر ضربة عاصفة فى قلب ساحة حياته، تموت زوجته ويموت بعدها بقليل أخوه الذى كان فى الوقت ذاته أفضل صديق ومعين له!
الآن أيضا يبدأ ذلك التجوال الذى استغرق سنين طوالا بلا هدف فى المنفى الأوروبي!! ولئن كانت سيبيريا هى المطهر أو المدخل إلى معاناته للألم، فقد كانت فرنسا وألمانيا وإيطاليا بلا ريب جحيمه؛ لا يعرفه الناس إلا فى المصرف، حيث يأتى شاحبا كل يوم إلى منصة المصرف، ويسأل بصوت مرتفع من الانفعال عما إذا كانت الحوالة لم تأت من روسيا أخيرا وهى حوالة بمئة روبل كان يتوسل من أجلها، ألف مرة أمام الأدنياء، والغرباء من الناس وسرعان ما يضحك الموظفون من المجنون البائس وانتظاره الأبدي، لقد بلغ دوستويفسكى الخمسين من العمر، ولكنه عانى عذاب الآلاف من السنين.
معنى مصيره
"لقد غدوت أستاذاً فى احتمال اللذة والألم، وتحولت عندى متعة المعاناة إلى سعادة ونعيم" - جوتفريد كيللر
يقوم بين دوستويفسكى ومصيره صراع لا يتوقف نوع من العداوة المفعمة بالمحبة، وإزاء مثل هذه القدرة الشيطانية على تحويل المعاناة يفقد المصير الظاهرى سيطرته بصورة كاملة، فما يبدو عقاباً وبلاء يتحول عند العارف إلى عون، فثمة برق مشابه يمس أديبا بآخر من عالمنا هو أوسكار وايلد. ويسقط كلا الأديبين وهما كاتبان لامعان ونبيلان من أصحاب المكانة الرفيعة، بيد أن الأديب وايلد يسحق فى هذا الامتحان كما تسحق الأشياء فى هاون، أما الأديب دوستويفسكى فيتشكل من هذا الامتحان فحسب، كما يتشكل الفلز فى
مِيرَاثْ

اللوحة ل : جوزيف مطر
مزحة !
ترجمة : أحمد حسن المعيني

فراشةٌ تقتحم اللهب : باتريك زوسكند
ترجمة :فهيمة جعفر -"دروب" الثقافية

الموتُ كموضوعٍ للحديث ؟! أليسَ الموتُ أنموذج الموضوع الذي لا حديثَ فيه؟ مهما تحدّثنا بمرحٍ عنِ الحبِّ، فالقليلُ يقالُ حولَ الموت. قيلَ لنا كان الموتُ مختلفاً في العصورِ السالفة. كانَ طَلِق اللسانِ عذبَ المعشر، جُزءاً من المجتمع وَالعائلة. لم يتفادوا مواجهته. إن لم يكُن صديقاً مقرّباً، فقد كانت علاقتهُ بالبشريةِ جيدةً على الأقل. طرأ تغيرٌ جذريٌّ خلال القرنين الماضيين، صمتَ الموتُ وَأمرنا أن نلتزمَ الصمت.. وَكنّا سعداء بالإذعانِ لأمره؛ كُنّا في واقعِ الأمرِ نصونُ صمتاً مميتاً. لا لأننا نجهل كلَّ شيءٍ حوله – هذا ليسَ سبباً ليطبق الشخص فمَه كما هو معروف – لا، بل لأنّهُ روحُ السلبِ السرمديِّ، مُفسدُ المتع وَهادمُ اللذات بما تعنيه الكلمةُ من معنىً، وَلا حيلة لنا معَ شخصياتٍ كهذه في زمننا الحاضر.
إذن كيفَ يمكننا ربطَ هذا المتحفِّظ البغيض بـ “إيروس[1]” الشهواني المَرِح، ليسَ كنقيضهِ –وَهو ربطٌ يبدو متسقاً أكثر- بل كرفيقه ؟ وَكيفُ يمكن أن تصدرَ المبادرةُ لنيلِ رفقةٍ كهذه لا عن “ثانوتاس[2]” (هذا المخلوق الفظُّ أشدُّ كسلاً وَاكتفاءً بذاتِه من أن يبادرَ بذلك)، بل عن إيروس نفسه، هذا المثيرُ، الفاتنُ، وَالمصدرُ الظاهريُّ لكُلِّ اندفاعٍ خلّاق ؟
في قصّةِ أوسكار وايلد، تقعُ الأميرةُ الجميلةُ سالومي في غرامِ متعصّبٍ دينيٍّ أجبنُ من أن ينظرَ لها حتّى. لكنّهُ أعمىً وَشجاعٌ بما فيه الكفاية ليدفعَ حياته ثمناً لرفضه لها. وَبعدَ أن يُقطعَ رأسُهُ بأمرٍ منها، تُقبِّلُ بغبطةٍ شفتيه الميتتين وَهما تقطران دماً، وَتخبرُنا أن لغزَ الحبِّ أعظمُ من لغزِ الموت. قد نعترضُ قائلين: “وَمن تكونُ سالومي هذه؟ مجرّدُ صبيةٍ مدللةٍ في الثانيةِ أو الرابعةِ عشر من عمرها، لا تعرفُ سوى القليل عن الحب، وَلا شيء إطلاقاً عنِ الموت.” بيدَ أن توماس مان نفسه ، الذي كان فائق الذكاء، وَضليعاً في الأمرين، يربطُ بينَ الحُبِّ وَالموت ليسَ في أعمالهِ فقط، بل في سيرةِ حياته أيضاً. في غمرةِ افتتانِه بنادلٍ شابٍّ يلتقيه وهو عجوزٌ في الخامسةِ وَالسبعين من عمره، خلالَ إجازةٍ يقضيها في زيورِخ، يقولُ إنه “يكادُ يتمنّى موتَه.” وَيكتبُ في مذكراته: “وداعاً إلى الأبدِ أيها الفتى الساحر! سأعيشُ قليلاً،وَأنجزُ قليلاً، ثمَّ أموت. أنتَ أيضاً ستنضجُ في حياتكَ التي تمضيها، وَتموتُ يوماً ما! يا لكِ من حياةٍ عصيةٍ على الفهم، تثبتُ ذاتها في الحُب”. لكنَّ “ثانوتاس” و”إيروس” لا يلتقيان فقط في لحظةِ الفِراق والهجران، حيثُ التياع الحب. في رأي ستاندال – الذي ينبغي وصفهُ كخبيرٍ في الأمرِ- الحُبُّ بشكلٍ عام مصاحبٌ مزمنٌ للموتِ. وَيكتبُ: “يجعلُ الحُبُّ الحقيقيُّ من فكرةِ الموتِ اعتياديةً، سهلةً، وَغير مرعبة. يصبحُ مادَّةً بسيطةً للمقايضة؛ الثمنَ الذي يكون الواحدُ مستعداً لدفعه لقاءَ الكثير.”
نتفهّم كلا الموقفين: الموقفَ الذي يلتمسُ في الموتِ خلاصاً من ألمِ الحُبِّ المضني، وَالآخرَ الشهم الذي يتقبّلُ الموتَ كمجازفةٍ لا مفرَّ منها في سعيهِ إثرَ فريسته الإيروسية، لا سيّما في الأزمان وَالمجتمعات التي تُسَلُّ السيوف وتُشهَرُ المسدساتُ فيها بسرعة . لا يمكنُ اعتبارُ أيٍّ من الموقفين نموذجيّاً وَجديراً بالمحاكاة، بل الأحرى أن يُعزى لطبيعتهِ المجنونةِ وَالمرضيّة واقعاً، واعتباره اضطراباً مؤسِفاً ذا باعثٍ إيروسيّ. غيرَ أنَّ بوسعنا تفهم أمرٍ كهذا، أي يمكننا وضع أنفسنا مكان أولئك الأشخاص الذين يموتون أو يقتلون أنفسهم لأجلِ الحُب. لو لم يكُن ذلكَ بالوسع، كيفَ استطعنا إذن قراءةَ “أحزان الشابِّ فرثر” أو”آنا كارنينا” أو”مدام بوفاري” أو”ايفي بريست”[3] دونَ أن تحرِّكَ مشاعرنا؟ لكنَّ النقطة التي ينتهي عندها التعاطف وَالتفهّم وَيتضاءل الاهتمام هي حينَ يرمي “إيروس” نفسه بقوّةٍ بين ذراعي “ثانوتاس” – في تناقضٍ تامّ – كما لو كان سيتّحدُ به، النقطة التي يلتمس فيها الحُبُّ شكلَه الأرقى وَالأنقى – أي كمالَهُ- في الموت.
تبدأُ هذه العلاقة المشؤومة مبكّراً منذُ أوائل القرنِ السادس عشر – كما يخبرنا بذلك فيليب آرييه في كتابه “ساعةُ موتنا” -، في ذاكَ الوقت حوَّلت الفنون البصريَّةُ رقصةَ الموتِ القروسطيَّة المظلمةَ لكنِ المحتشمة، إلى رقصةٍ إيروسيّةٍ داعرة. لاحقاً تتخذُ هذه الظاهرة ملامحَ “نيكروفيليّة necrophiliac “، متبوعةً بمظاهرَ ساديّة قبلَ ظهور دي ساد نفسه، فشقَّت طريقها إلى الأدب. تمَّ اختلاق خرافةِ انتصابِ الرجل المشنوق، وَهي سخفٌ محض. أدخلت اللغة الفرنسية المصطلحَ (la petite mort ) كمرادفٍ لهزّةِ الجماع، وهو تعبيرٌ يبدو عندَ النظرةِ الأولى صادِماً وَحسناً (وَلرُبَّما أريدَ له في الأصلِ أن يبدو متناقضاً) لكنّهُ عندَ النظرةِ الثانية يبدو غيرَ ملائمٍ إطلاقاً. وَأخيراً تفرطُ هذه الظاهرة في النضجِ في القرنِ التاسع عشر، حبُّ الموتِ وَالموتُ حبّاً يبلغُ أوجَ نشوتهِ: ما “أناشيدُ لليل” لـ نوفاليس إلا قصائدُ حبٍّ طَرِبَةٌ تخاطبُ الموت، وفي نهاية الفترة الرومانتيكية تظهر “أزهار الشر” لـ بودلير التي تمزجُ الواقعيَّ بالغرائبي، باعثةً رائحةَ العفنِ الحادّةَ السامَّة. عنهُ كتبَ أناتول فرانس: “ينتشي برائحةِ الجثث كما لو كانت عِطراً مثيراً”.
رسائلُ “هنريك فون كليست Heinrich von Kleist” الأخيرة كانت مفعمةً بمرحِ الحياةِ وَالحماسةِ الإيروسيّة، بعدَ أن اعتادَ فكرةَ الانتحار. ظلَّ أشهراً يبحثُ عن امرأةٍ مستعدةٍ للموتِ معه، وَأخيراً وجدَ ضالته في امرأةٍ مريضةٍ وَكئيبةٍ وحمقاء بما فيه الكفاية لتتحمَّس لتأديةِ الدور؛ زوجةٍ لموظفٍ مدني – يفكّرُ المرء كم كانت حياتها عاديةً، كئيبةً، فاترةً، وَمليئةً بالشكوك الدينية إن كانت تنشدُ ذروةَ متعتها في القتلِ بالرصاص! كتبتْ له ملاحظاتٍ متَيَّمةٍ بحبّه، وَكتب لها رسائل حُبٍّ لا نظيرَ لجمالها في اللغةِ الألمانية. كانَ يركعُ صباحاً ومساءً “شاكراً الربَّ على حياةٍ ملؤها العذاب” أكثر من أي حياةٍ أمضاها شخصٌ آخر، لأنّهُ “كافأني بأسمى ميتةٍ وأكثرها شهوانية.”
يكتبُ لابنةِ عمه – التي ظلّت مؤتمنة أسراره حتى ذاك الحين- ما هو شبيه برسالةِ اعتذارٍ قبلَ أسبوعٍ من موتِه المدبَّر، يطلبُ منها أن تتفهَّم أنه وجدَ امرأةً أخرى – زوجةَ الموظفِ المدني – وَهو يحبُّها أكثر: “هل يواسيكِ قولي إنّي ما كنتُ لأؤثِر إطلاقاً تيك الصديقةَ عليكِ لو أنّها أرادت فقط العيشَ معي؟ ” لكنَّ ابنة عمّهِ للأسف رفضت مراراً اقتراحهُ بأن يموتا معاً، في حينِ أن تلك “الصديقة المؤلَّهة ” وافقت في الحال، وَ”لا أستطيع أن أصفَ لكِ القوةَ العظيمةَ التي تجذبني بها موافقتُها إلى صدرِها”. فيضٌ من الغبطةِ – لم يعرف له من قبل مثيلاً- يغمره، كما يقول. وَينتهي إلى القول: “وَليس بوسعي الإنكارُ أنَّ قبرها أحبُّ إليَّ من فراشِ إمبراطوراتِ العالمِ كافّة”. وَلا يغفل عن إضافةِ تحيةٍ قصيرةٍ يخبرُ فيها “صديقته العزيزة” –يعني بذلكَ ابنة عمّه- أنهُ يتمنى من اللهِ أن يقبضَ روحها عاجلاً “إلى ذلكَ العالمِ الأفضل، حيثُ يمكننا جميعاً ضمَّ قلوبِ بعضنا البعض بحُبِّ الملائكة- وداعاً! ”
انتُقِدَ غوته عندَ قوله عن كليست – وَهو بالمناسبةِ يعترفُ بعبقريته – أنْ لطالما غمرَهُ “بمشاعرِ الرُعبِ وَالنفور”. قد يتفقُ معه المرء “ماذا غيرُ ذلك؟ ” وَيضيفُ أنَّ المعنى الأصلي لمفردةِ “نفور” لا تنطوي على ازدراءٍ، بل تعني جفولاً غريزياً، “نَفْضَةً”، للإبقاءِ على شئٍ في منأىً عن طبيعةِ الشخص – وَهو موقفٌ معقولٌ خاصةً إذا كانت طبيعةُ هذا الشخص غيرَ محصَّنةٍ تماماً ضدَّ المُرعبِ وَالمنفر.
يندرجُ انتحار “فرثر” تحتَ صنفٍ مختلفٍ عن انتحارِ كليست بالطبع. قَتَل وِرثر نفسه أو “ضحّى بحياته” لأجلِ محبوبته كما يقول، لأنَّهُ حُرِمَ الحياة مع “لوته Lotte” – كما يعتقدُ هو على الأقل. كليست – من جهته – كان مفتوناً طيلة حياته بالانتحار، ناظِراً لمواثيق الانتحار كتعبيرٍ أقصى للمودَّةِ وَالإخلاص المتبادل. وَينتحر آخر الأمر برفقةِ شخصٍ آخر لأنه يأملُ أن تهبه هذه التجربة ما يمكننا وصفه بـ النشوةِ الإيروسيةِ القصوى. غيرَ أن هناكَ أوجه شبهٍ بين رسائل الوداع “المتخيّلة” التي كتبها ورثر لـ لوته، وَبين رسائل كليست الأخيرة لابنة عمه وأخته، وَهي ليست مجرَّد صيغةِ تواصلٍ نثرية بل عملاً أدبياً راقياً. بالمثلِ أيضاً، لفعلِ الانتحارِ بناءٌ متقنٌ لدرجةٍ مرعبة – في تخطيطه وَتنفيذه المتكامل، وَفي توثيقه الأدبي وَأثره المحسوب على العامَّة، وَيمكن وصفه واقعاً – وَعذراً لاستخدامِ هذا التعبير- بـ تحفةِ كليست الأدبية.
يقرُّ فرثر بأن الفكرة المهتاجة بقتلِ ألبرت، زوجِ لوته، أو قتلِ لوته نفسها، قد تسللت إلى رأسه، بدلاًً من الانتحار، إذ أنَّ “على واحدٍ منا نحن الثلاثة أن يغادر”. لم يقترح أن يموتا – لوته وهو- معاً، بل ماتَ مدّعياً أنَّ ذلك سيجعلها
الرَّأسْ

رسائل
(1)

لوحة "جوزيف مطر"
المُتعَبونْ

لوحة الفنّان"جوزيف مطر"
.
لَكِنَّهمْ كَذَّبُوني..
إلى صاحبة موقد الحطب الدافيء "أنغام يونس"
لوحة الفنان "جوزيف مطر"
لم يصدقني أحد حينما أخبرتهم أنني لا أكذب .. و أنني أرى بأصابعي ! .. و أن الجمال الحقيقي لا يرى بالعين .. عندما كنت طفلاً صغيراً كنت أتلمّس الأشياء بأناملي.. حتى أنني أكتويتُ بنار المَوقد عندما أدخلت يدي في النار .. أخبرتني أمي أنني أُصبتُ بمرضٍ غريبٍ في عينَيَّ عندما كنتُ طفلاً , و أنّني لم أعُد أرى جيداً .. أو أنّني أنا من كان يزعمُ ذلك ! , و قالت :لقد كنت تلمس كل شيء بيدك .. و تزعم أنك ترى الجمال بأصابعك ..
ينادونني بال"الأفعواني" رغم أنّ أسمي "صافي" و كنت أغضب كثيراً من ذلك .. لأن صافي أجمل ..
كنتُ صغيراً أحبو نحو النخلة الباسقة أمام البيت , و أضع أصابعي في شقوقها و غِمدها الليفيّ, أتلمّس سحرها , و كذبوني حينما أخبرتهم بأنني أرى الجمال بأصابعي .. و أن أسم نخلتنا "غزالة" و أن لديها أطفالاً في مثل سنّي , و أنهم سيكبرون كما سأكبر .. و حتى "قمر" تلك القطّة الجميلة التي تعيش مع جارتنا "هناء" تعلم جيداً أنني لا أكذب .. و أسألوها إنْ شئتم ..
و عندما كبرتُ و بلغت المرحلة الإعدادية إزداد المرض الذي فتك بحواسي قوةً .. و إزادادت مشاكلي كما أخبرني أبي , و لم ترأف المُدرِّسة "فوزية" بحالي حينما أشتكت لها جارتنا "هناء" من أنني أتلمّس سيقانها البضّة ! - وقد كانت تجلس بقربي في نفس المقعد - ولم يصدّقني أحداً منهم عندما أخبرتهم بأنني أرى الجمال بأصابعي و لم أقصد أياً مما فهموه !
و حتى القاضي شكَّ في أنّ بي مسّاً من الجنّ .. عندما أخبره مستشار الطبّ النفسي في القضية التي رفعتها عليّ "سلوى" من أنني وضعت يدي على مؤخرتها في محطة الباصات عندما همّت بالصعود أمامي, و أنا لم أنكر أي قضية من القضايا المرفوعة ضدي .. و كذبوني حينما أخبرتهم أنني أتلمّس الجمال بأناملي .. و لم أقصد ما فهموه , أخبره المستشار بأنني بكامل قواي العقلية .. و حتى المرض الذي أزعمه ..لا وجود له .. هكذا قال المستشار .. و عندما رأي القاضي إبتسامتي ,ظنَّ أنني أسخر منه, و لم يعلم أنني كنت أتلمّس الأعمدة الخشبية المتعرّشة لقفص الإتهام .. كانت متماثلة و مصقولة بعناية, و في نهايتها تتكور كتل خشبية منحوتة بجمال أخّاذ .. كنتُ










