تَحْتَ الدّالية .. فَوْقَ اللبلابْ
إلى الأعزاء "ناصر الريماوي ؛ ماماس"

(1)
بلا شك أنتم لا تعلمون أنني لا أنام قبل أن أسحق نصف علبة السجائر خاصتي ,ولا تعلمون أيضاً أنني أدسُّ رأسي في الوسادة- كالنعامة- قبل العاشرة مساءً, بالرغم من أنني لا أنام!, و مع أنني تأكدتُ من أن النعام لا يَدُسُّ رأسه في الرَمْلِ, كما يقول بعض بني الإنسانِ.. إلّا أنّ هنالك عزاءٌ ما في ترديدِ ذلكْ !.. كانتْ ليلةً قائظةً من ليالي أيلولْ .. و أنا أستمعُ إلى موسيقى محمد عبدالوهاب ..مستلقياً أعلى سقفِ منزلي,و موليّاً وجهي شطرَ البحرِ الأبيضِ المتوسطِ..علّهُ يجودُ علينا ببعضِ "البحري"
كنتُ أرتدي سروالاً قصيراً,وبين أصابعي سيجارةً مشتعلةً,مكوّراً قبضتي على منديلٍ ورقي, مُشبعٍ بالعرقِ,أُمرّرهُ أحياناً على أنْفي الّذي ينزّ بإستمرار.. و في أوجِ تلكَ العتمةِ سمعتُ خَشْخَشَة أوراقٍ متيبّسةٍ, لداليةٍ عجوزْ, تكْسو جِدار البيت الكبير المُقابل لبيتي .. هَجَرهُ أصحابهُ مُذ كنتُ طِفلاً صغيراً لأسبابٍ غَامِضَةٍ لا نعرفها ..إنتصبتُ واقفاً , و ألقيتُ نظرة من أعلى بيتي .. كانت الخَشْخَشة تَشي بِخطواتٍ رتيبةٍ مُتزنة .. أمعنتُ النظرَ أسفلَ الدالية,رأيتُ طيفاً اسودْ,لمْ تتضح ملامحهُ جيداً .. لكنهُ بمجرد أن لاحظ إستراقي للنظر, حتى إنطلق بسرعةٍ رهيبةٍ ,مبتعداً عن المنزل..شعور غريب إنتابني و مُلِحّ .. لم أُطل التفكير.. نزلتُ مسرعاً و أتجهت نحو البيت القديم , حاملا في يدي هراوة, للحماية إن كان هناك ما يستدعي ذلك .
كانتْ رائحةُ أوراقِ العنبِ تعْبَقُ في مُحيطِ البيتِ .. و طَرطقة الاوراق اليابسة تحت قدميّ,تكسر السكونَ المُخيم في تلكَ الليلة.. حاولتُ الإقتراب من الجهة التي رأيت فيها ذلك الشَبَحْ , كانتْ أوراقُ الداليةِ مُتكدسةً بغزارةٍ ,لدرجة أنَّ قدمي غاصتْ فيها إلى الكعب.. تلمستُ الدالية التي كستْ الجِدار بشكلٍ كامل,كانتْ الاوراقُ تتساقطْ عندما أُمرّرُ يدي فوقها..أمشي برفقٍ و أنظرُ في تلكَ العتمةِ,لعلي أعرفُ ما الّذي كان يفعله ذلك الشبح.. تبادر لي من خلف فروعها المتشعبة.. المتشبثة بالجدار بشكل تلاحمي , وميضُ ضوءٍ خافتٍ, من كوّةٍ صغيرةٍ أسفلَ الجدارْ,لم ألحظها في ما سبقْ..أمسكتُ بعروقِ الداليةِ,وسَحبتُها بِلطفٍ .. كانتْ الكوّة صغيرة, ولكن يمك
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ